ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

161

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

كفرا ، ولا ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّه قد صدقكم » فقوله : ما فعلت ذلك كفرا ، ولا ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام ، من التكرير الحسن ، وبعض الجهال يظنه تكريرا لا فائدة فيه ، فإن الكفر والارتداد عن الدين سواء ، وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام ، وليس كذلك ، والذي يدل عليه اللفظ هو أني لم أفعل ذلك وأنا كافر : أي باق على الكفر ، ولا مرتدا : أي أني كفرت بعد إسلامي ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام : أي ولا إيثارا لجانب الكفار على جانب المسلمين ، وهذا حسن في مكانه ، واقع في موقعه ؛ وقد يحمل التكرير فيه على غير هذا الفرع الذي نحن بصدد ذكره هاهنا ، وهو الذي يكون التكرير فيه يدل على معنى واحد ، وسيأتي بيانه في الفرع الثاني الذي يلي هذا الفرع الأول ، والذي يجوزه أن هذا المقام هو مقام اعتذار وتنصّل عما رمي به من تلك القارعة العظيمة التي هي نفاق وكفر ؛ فكرر المعنى في اعتذاره قصدا للتأكيد والتقرير لما ينفي عنه ما رمي به . ومما ينتظم بهذا السلك أنه إذا كان التكرير في المعنى يدلّ على معنيين أحدهما خاص والآخر عام كقوله تعالى : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فإن الأمر بالمعروف داخل تحت الدعاء إلى الخير ؛ لأن الأمر بالمعروف خاص ، والخير عام ، فكل أمر بالمعروف خير ، وليس كل خير أمرا بالمعروف ، وذاك أن الخير أنواع كثيرة من جملتها الأمر بالمعروف ، ففائدة التكرير هاهنا أنه ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضله ، كقوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وكقوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان ، وكقوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها فإن الجبال داخلة في جملة الأرض ، لكن لفظ الأرض عام ، والجبال خاص ، وفائدته هاهنا تعظيم شأن الأمانة المشار إليه ، وتفخيم أمرها ، وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا . ومما ورد منه شعرا قول [ المقنّع الكنديّ « 1 » ] من أبيات الحماسة :

--> ( 1 ) في جميع الأصول بياض في مكان اسم الشاعر مما يدل على أن المؤلف بيض له ثم غفل عنه ، والأبيات في الحماسة وانظر ( شرح التبريزي : 3 - 171 ) .